fbpx

صاحب الظل الطويل

0 2٬054

عائشة عليمات

 

– هنالك على تلك التلة يوجد قصر عظيم، تقف على نافذته فتاة صغيرة تدعى فلسطين، تعشق فصل الشتاء القادم من بعيد إلى مملكتها الخضراء.

تستمع إلى صوت صفير البلبلِ ،و تشم رائحة الياسمين التي كانت تملئ الأرجاء.

وفي ليلة من الليالي أتت عاصفة مريبة في غير موعدها، وأصبح النور ظلام دامس ،واختفت رائحة الياسمين، وأصوات العصافير، وبدأت الريح تشتد وتهب من كل مكان، والأمطار تنزف بغزارة كأن في السماء غيمة مجروحة ، لكن فلسطين بقيت قابعة كالطود تقف على نافذة قصرها الشامخ كأنها تنتظر حدوث شيء ما.

تنتظر وتنتظر بالرغم من السكون، ومرور السنين ،مازالت تنتظر .

فإذا من بعيد ترى صاحب الظل الطويل، تراهُ يقترب من مملكتها اليافعة بين أشجار الصنوبر حتى يكاد الوصول إليها.

وما إن ابتسمت وجنتيها حتى بلمح البصر يختفي ويتلاشى أمام ناظريها ، سقطت مذهولة قائلة بصوت عالٍ : لا تذهب .. أرجوك لا تذهب.

لكنه لم يسمع لها، لقد ذهب، ذهب بعيداً.

استجمعت فلسطين قواها ووقفت مرة أخرى على تلك النافذة، و قطرات الندى من عيناها تتساقط.

– مرت الأيام، ودارت الأزمان، وبقي المكان، وهيَ ما زالت تنتظر صاحب الظل الطويل بكل شغف وهيام، لكن الإنتظار طال ، طال كثيرا هذه المرة.

حتى تحولت هذه الفتاة من طفلة مرحة وقوية إلى عجوز أحاطتها الكآبة والحزن ، أصبحت ضعيفة هشة لدرجة أنها لم تعد تقوى على بناء أحلامها الوردية في مملكتها الخضراء، لقد عشقت صاحب الظل الطويل، وبقيت تعيش رغم انهيارها على أمل الرجوع إليها.

– بقيت فلسطين واقفة تذرف الدموع، على تلك النافذة التي كاد زجاجها أن ينكسر،وفي لحظة انهيارها التام صرخت تنادي صاحب الظل الطويل ..

قائلة: أين أنتَ ؟؟ عُد، لقد اشتقت إليك، لقد عشقتك، لمَ سرقت قلبي وهربت لمَ؟

ألم أعجبك؟ ألم تعجبك مملكتي؟

أنا الملكة هنا وأنت الأمير ، اسميتك أميري لكي تكون ملكي في المستقبل .. أنت ..

– وإذا بصوت صراخ ونحيب يقاطع حديثها،صوت يمزق القلوب،صوت ينبثق من بعيد.

ذهبت لتجد مصدر الصوت، وكانت هذه أول مرة من سنين عديدة تخرج من شرفتها، وتترك النافذة الخيالية خلفها تابعةً
صوت غريب.

لتتلقى صفعة القرن التي أيقظتها من غفلتها، وجعلتها في دهشة عارمة.

– وكانت الصدمة بأن خلّانها ” العرب ” واقفين ضدها،مؤيدين اغتصابها.

حاولت فلسطين الهروب إلى الخارج؛ معتقدة بأن الأشباح قد أحاطة قصرها ،وأن ما تراه هو مجرد كابوس لا أكثر ..

تُهرول، وتهرول،حتى وصلت إلى باب القصر ظنّاً منها أنهُ باب النجاة.

خرجت ،وإذ بأنها تجد مدينة يملؤها الخراب ،مدينة ساحاتها حمراء و الجثث تملئ الشوارع.

وقفت مذهولة بين هذا الدمار .. الذي يملؤ مملكتها ..

صرخت تنادي وتنجاي .. ألا من يسمع صوت العذاب، صوت الدمار، ألا من يرى هذه المجزرة ، لقد أصبحت مملكتي مقبرة، من هؤلاء القتلة.

أين العرب والمسلمين ؟ أين أنتم؟؟

لماذا هجرتوني؟ لماذا تركتموني ؟؟

لكن لا حياة لمن تنادي.

إنها لا تسمع صوت لأي عربي !!

وإذ بصوت كاد أن يسمع،لصاحب الظل الطويل ..

قائلاً لها : أيتها الملكة ناجي نفسك، فإن مملكتكِ قد دمرت ، بسبب عشقك المجنون لطيفي ، دمرت ، ناجي نفسك .

– فما لها حيلة سوى الأستغاثة بأنا ..

فقالت : بحق من وهبك ماضيك الذي كنت فيه قيصراً .. بحق من وهبك ماضيك الذي كنت فيه تطاع وتأمر .. بحق من وهبك ماضيك أفعل شيء

قال : من أنتِ ؟

قالت : أنا أنت .. ألا تذكر ؟

قال : ومن أين جئتِ ؟

قالت : من صرحك الشامخ الذي دمر .

قال : وماذا تريدين ؟

قالت : أن تعيد ترتيب حروف اسمي الذي تبعثر .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.