fbpx

لماذا يَتساءَل الاردنيون: مَن كانَ تَحتَ الحِصار دِمَشق أم عمّان؟ وكيف كانَت إسرائيل أبرَزُ الخاسِرين سِياسيًّا واقتصاديًّا مِن فَتحِ معبر جابر؟

0 1٬474

نور الاردن – كُنّا دائِمًا نُطالِب في هَذهِ الصَّحيفة بفَكِّ الحِصار العَربيّ عَن سورية، وفَتحِ الحُدود على مِصرَعيها مَعها، لأنّ الشَّعب السوريّ قدَّم للأُمَّةِ العربيّةِ الكَثير الكَثير، وخاضَ جيشه العَربيّ كُلَّ حُروبِها، ورحَّب بكُل اللاجئين العَرب إليه دُونَ تَمَنُّن، وعامَلها مُعامَلة المُواطِن السوريّ في التَّعليمِ والطِّبابة والوَظائِف، وما زالَ.

نُدرِك جيّدًا أنّ هُناك أصوات في سورية تَشعُر بالمَرارة تُجاه العَرب والعُروبة الذين خَذَلوا بِلادَهم، وشارَك بعضهم في المُؤامرة ضِدّها، وهِي مَرارةٌ مُبرَّرةٌ ومَفهومةٌ، ولكن ما يُطمئِن أنّ الحُكومة السوريّة ما زالَت تتمسَّك بالمواقِف العربيّة القوميّة نَفسِها وتتسامَى مع كُل الجِراح، وتُقَدِّم النَّموذج في كَظْمِ الغَيظ، والتَّمَسُّك بالقِيَم والأخلاقِ العَربيّةِ الأصيلة.

تَظل سورية كَبيرةً، والحاضِنة لكُل الطُّموحات الوَطنيّة الشَّريفة لأُمَّتِنا، مِثلَما يَظَل الشَّعب السوريّ الذي أفشَلَ المُؤامَرة، وحافَظَ على وِحدَتِه الوطنيّة والتُّرابيّة “المُتَفَضِّل” على هَذهِ الأُمّة بكَرمِه وأخلاقِه العربيّة الأصيلة.

***
السُّلطات السُّوريّة لم تُغيِّر مُطلقًا من إجراءاتِ دُخول المُواطنين الأُردنيين الى أراضِيها رُغمَ تَحفُّظاتِها الكبيرة على مَواقِف الأُردن أثناء الأزَمَة، وباتَ المُواطِن الأُردنيّ يَعبُر الحُدود دونَ أيِّ قُيودٍ أو تأشيرةِ دُخولٍ، رُغم أنّ الجانِب الآخر، أي الأُردني، ما زالَ يَضَعُ قُيودًا على دُخولِ السُّوريّين تَحتَ عُنوانِ الاحتياطات الأمنيّة.

الأُردن ولبنان المُستفيد الأكبَر من فتح الحُدود الأُردنيّة السوريّة، أمّا إسرائيل فهِي أبرَزُ الخاسِرين في الجِهَةِ الأُخرَى، فهَذه الخُطوة ستَدر على الخزينة الأُردنيّة حَواليّ 400 مِليون دولار سَنويًّا، وسَتخلِق آلاف الوظائف للسَّائِقين الأُردنيّين وشاحناتِهم، والأهَم من ذلك أنّ الأُردنيين سيُوفِّرون عَشَرات المَلايين مِن الدُّولارات سِواء بسبب الخَدمات السياحيّة السوريّة الجيّدة والرَّخيصة، بالمُقارنة مع الوُجهات السياحيّة الأُردنيّة الأُخرى مِثل تركيا ومِصر ولبنان، ومِن ثمّ انخفاض أسعار المَواد الغذائيّة واللُّحوم السوريّة، وما باتَ يُطلَقُ عليهِ حاليًّا بسِياحَة “التَّبَضُّع”.

خَمس آلاف شاحنة أُردنيّة باتَت جاهِزةً للعَمل، ومِن المُتوقَّع أن تعود حَركة المعبر إلى صُورَتِها الطبيعيّة، أي أن تتَّجِه هَذهِ الشَّاحِنات إلى لُبنان، لنَقل بضائِع وصادِرات لبنانيّة إلى دُوَل الخليج، وتِجارَة الترانزيت هَذهِ ستَعود بالمَلايين حتْمًا إلى الخَزينةِ السوريّة كعَوائدٍ للرُّسوم الجُمركيّة.

لم نُبالِغ إذا قُلنا أنّ إسرائيل التي كانَت مِن أبرز المُعارضين لعَودة فتح المعبر المَذكور، ودعمت بعض الفَصائِل التي كانت تُسيطِر عليه حتّى اللَّحظةِ الأخيرة، تلقّت لطمةً قويّةً، سِياسيًّا واقتصاديًّا، سِياسيًّا لأنّها لا تُريد التَّعافي لسورية، وتُعارِض أي رَفعٍ للحِصارِ عنها، واقتصاديًّا لأنّ إغلاق المَعبر أدّى إلى مُرور الكَثير مِن البَضائِع التركيّة والغربيّة إلى الأُردن، وربّما دُوَل الخليج، عَبر ميناء حيفا، وفتح الحُدود السُّوريّة الأُردنيّة وَعَودَتِها إلى وَضعِها الطَّبيعيّ سيَحرِم هذا الميناء مِن دَخلٍ يَوميٍّ كبير، لأنّ مُرور البَضائِع عبر سورية أقَلُّ كُلفَةً، ولأنّ مُرور مُعظَم التُّجّار يُعارِضون أيَّ صُورةٍ للتَّطبيع الاقتصاديّ مع دَولة الاحتلال، مِثْلَما قال لي أحَد التُّجّار الأُردنيّين.

***
تعيش المُحافظات الأُردنيّة الشماليّة، وخاصَّةً الرمثا وإربد حالةً احتفاليّةً غير مَسبوقةً بسبب إعادَة فتح معبر نصيب الحُدوديّ مع سورية، فقد تَبادَل المُواطِنون التَّهاني، وأطلَقوا النَّار في الهَواء تَعبيرًا عَن هَذهِ الخُطوة التي تَعنِي الانسجام مع مَشاعِرهم القوميّة والسِّياسيّة القَويّة تُجاه الجارِ السوريّ أوّلًا، وانتعاشٍ حَتْميٍّ للأوضاع الاقتصاديّة بعد سَبعِ سَنواتٍ عِجافٍ مِن القَطيعةِ.

الأُردنيّون بَدأوا يتدفَّقون بالآلافِ بسيّاراتهم إلى سورية يَوميًّا، ويعودون مَبهورين بحالةِ الازدهار والاستقرار الأمنيّ التي تتمتّع بِه العاصِمة السوريّة، والانخفاض الكَبير في الأسعار، حتّى أنّ أحَد المُواطنين الأُردنيّين قال “والله بعد زِيارتي لدِمشق ومُعايشتي لأهلِها، وتَفَقُّدي لمَحلّاتها التجاريّة، وازدحامِ المطاعم وتَقديمِها لخَدماتِها حتّى الثالثة صباحًا، وانخفاضِ أسعار السِّلع لأقَل مِن النِّصف بالمُقارَنة مع نَظيراتِها الأُردنيّة، بِت أسأل مَن هِي العاصِمة المُحاصَرة دِمَشق أم عمّان؟”.

سورية تَتعافَى بسُرعةٍ، وسَتكون في القاطِرة الرئيسيّة في تَعافي أُمّتنا، والتَّصدِّي للكَثير مِن المُؤامرات الأُخرَى التي تَسْتهدِفها، فهذا قَدَرُها، ولا نَعتقِد أنّها ستتهرَّب مِنه.. والأيّام بَيْنَنَا.

رأي اليوم – عبدالباري عطوان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.